عَصْرُ الأَهْوَاءِ البِتْرُوْلِيَّةِ السَبْعَةْ

ثمة غضبٌ شديد حلَّ بالشعب العربي، منذ منتصف القرن العشرين الفارط و حتى اليوم، حتى ليكادُ يحق عليه قول الله جلَّ و علا: ” وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ( القرآن الكريم، طه، 81 ). و قبل الدخول في تشخيص هيئة أهواء هذا الغضب، نجد من المفيد التذكير بسابق غضبٍ، أصاب أهل، أحد أعتى و أظلم، إمبراطورية أوروبية متوحشة في التاريخ الانساني، هي ” الامبراطورية الرومانية “،

 بل ذلك الكيان البهيمي الاستيطاني الدموي المتوحش، الذي قام و سقط خلال حقبة ظلامية، بدأت بقيامها في القرن الأول لميلاد ” كلمة الله عيسى عليه السلام “، و سقوطها الذريع لدى منتصف القرن الخامس عشر. ثمة ” أهواء : passions ” رئيسة طبعت ” سقوط ” إمبراطورية الظلام الرومانية ” لعل أبرزها ما يلي:

 

(1) ” اعتماد العنف الامبراطوري: Imperial Violence ” في التعامل مع الشعوب المجاورة، حتى ليمكن إعتبار تقنياته المستخدمة وقتئذ منطلق أصول ” الارهاب السلطوي ” الذي تطبقه ” إمبراطورية الظلام البترولية ” على شعوب الجنوب المستضعفة اليوم،

 

(2) ” متابعة النهب السلطوي: Looting & collecting ” لممتلكات الناس، الثابتة و السائلة، داخل و خارج الامبراطورية و يأتي في مقدمها الأرض و العرض، و الغذاء، و مصادر الطاقة الطبيعية، و الأيدي العاملة و ذلك على سبيل المثال لا الحصر،

 

(3) ” التوق للعظمة و التباهي: lust for grand designs and nakedness “: الذي تجلى في استغلال العبيد لبناء العمائر الجبارة و القصور الضخمة و الحمامات المثيرة، المزينة بالأجسام العارية و مواقف الجنس الضارية، و

 

(4) ” الانغماس في عشق المتعة: lust for rouge pleasure “، كالسكر الشديد، و الأكل البهيمي، و إبتكار تقنيات شيطانية للدعارة، و ممارسة العهر الجنسي ليلاً نهاراً، مع توفير مناخات متعة موسيقية صاخبة تضج بالحرارات البهيمية القذرة،…الخ.

 

و تحت مظلة هذه الأعمدة الرئيسة الأربعة، قام الجبابرة من قادة الامبراطورية الرومانية هذه بسحق أبرز أصول الحضارة و العلم و الايمان التي أشرقت من قبل بها حضارات السابقين في اليونان و الصين، حتى بلغ الحال ببعضهم مثل الامبراطور نيرون أن قام بحرق روما بمنتهى برودة الدم، و ذلك كما فعل أحد الحكام العرب ( و هو من صغار أباطرة كامب دايفيد إياهم ) و أشرف مؤخراً بشكل شخصي على حرق غزة هاشم المحاصرة تلمودياً دون تكشف أي نازع أخلاقي عربي – إسلامي ما لديه ( للاستزادة حول هذه الحقائق، يمكن العودة تحديداً إلى نظرية الأستاذ الدكتور إدوارد غيبون المشهورة في هذا الشأن، و المبينة تفصيلاً في كتابه التأريخي المعروف: ” تاريخ أفول و سقوط الامبراطورية الرومانية: The History of the Decline and Fall of the Roman Empire”، و المنشور في ستة مجلدات ما بين عامي 1776 و 1789 مثلاً )، فكان أن شكل هذا الغضب الالهي القاهر مصدر ” السقوط الذريع ” لهذه الامبراطورية الارهابية.

 

و في الزمن الراهن، أي عصر الرُخْصِ العربي ، لا تختلف ” طبيعة أشياء ” معظم (!؟) أنماط النظام العربي الحاكمة كثيراً عن تلك الأصول الرئيسة التي قام عليها كيان ” الامبراطورية الرومانية ” المبينة آنفاً، إن لم تتميز حقاً عنها بإضافة فروع جديدة و بابتكار مزيد من التقنيات المعاصرة في صلب الأصول الرومانية الأربع آنفة الذكر. و بناء على هذه الحقيقة المُُرَّة، نتجرأ و نطلق إسماً مناسبٌ فعلاً لمجمل أنماط هذا النظام العربي الحاكم اليوم، فندعوه مثلاً بإسم ” إمبراطورية التغريب العربية “. و في الابتكارات الجديدة لهذه الامبراطورية القزمية، نميزمثلاَ الأصول المبتكرة الجديدة التالية:

 

(1) ” تبديد الأصول التنموية الوطنية – العربية “، و يأتي في مقدمها البترول، الغاز الطبيعي، اليورانيوم، المياه، مصادر الزراعة الوطنية – العربية، تربية الانسان العربي الشاب، و شنق مدرسة العلم العربية مادياً و معنوياً، و ذلك على مذبح إرضاء القائمين على صنع قرار ” إمبراطورية الظلام الراسمالية الجديدة “،

 

(2) ” إبتكار نهج سلطوية لكبح قومات الفقراء العرب ” في وجه مستغليهم الراسماليين من أبناء جلدتهم، و من المتسلطين المستوطنين التلموديين الشماليين المستوردين، بهيئة مستشاري كبار زعماء العرب الموالين المعروفين جهاراً، حتى ليمكن تلخيص شأنهم على أنه مجرد: ” تسليم بقاء معظم الشعب العربي كمفتاحٍ بيدِ أعدائهم “،

 

(3) ” تبني شرذمة الشعب العربي “، عبر منح أعدائه، و المستزلمين العرب منهم بخاصة، سلطة صنع قرار نماء المجتمعات العربي بعيداً عن صنع عزتهم الوطنية من جهة و قريباً من آفاق مستقبلهم المظلمة.

 

على أي حال، و قد استغرق ” سقوط الامبراطورية الرومانية ” ما لا يقل عن عشرة قرون من الزمان، لا يمكن لوطني – عربي عاقل أن يتفاءل كثيراً: و ينتظر حدوث سقوط ” إمبراطورية التغريب العربية ” القزمية بعد إنقضاء عشر هذه المدة الرومانية بل قبلها بكثير و العياذ بالله، الأمر الذي يستدعي من جميع الوطنيين العرب ( أي أولئك المسؤولين أخلاقياً عن بقاء أمتهم العربية و المجاهدين بكل عزائمهم لابقائها شامخة الرأس تحت شمس هذا الكوكب ) المبادرة بمختلف إمكانياتهم الفكرية و العملية المتطورة، لايقاظ أجيال أمتهم، السالكة و الشابة، من غفلة أمتهم الراهنة. و نتمنى عليم أن لا يبالوا كثيراً بنتائج تجربة سابقة لنا في هذا الشأن الوطني المقدس، و ذهبت عبرها أصواتنا أدراج الرياح في غياهب براري التشتت العربي الواسعة، ” فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها “.

 

الدكتور عدنان مصطفى

وزير النفط و الثروة المعدنية الأسبق ( سورية )

رئيس الجمعية الفيزيائية العربية

profamustafa@myway.com

1/29/2010 2:58:59 PM


طباعة المقال طباعة المقال

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه