العَرَبُ و الطَاقَةُ في مُسْتَقْبَلِ الرَأسْمَالِيَّةِ

أعترف بأنني ضعفتُ أمام إرهاصات الوِدِّ التي أبداها تجاهي أولئك المقربون من قلبي و عقلي، داخل و خارج الوطن العربي، فعزمت على البدء بتهيئة روحي كي نحاول معاً ” إشهارَ ” بعض أبرز شواهد حياتي العلمية و الوطنية – العربية المتواضعة،

 

و العزم بمنتهى الصدق على ” إظهار ” الكيفية التي أعانني الله – القاهر فوق عباده – على الدخول إليها من ” الباب الضيق ” للوجود، ذاكراً حتماً دعاءُ كلمة الله عيسى بن مريم عليه السلام القائل: ” رباهُ ساعدني على الدخول من الباب الضيق “. و من بين إحدى صفحات مذكرتي للعام 1967، أي أثناء متابعتي بحثي العلمي – الفيزيائي في بريطانيا، حظيتُ بالعثور على ملاحظات مؤثرة، سجلتها في أعقاب ندوة طلابية قمنا بتنظيمها في إطار ” إتحاد الطلاب العرب في المملكة المتحدة و أيرلندا ” الذي تشرفت برئاسته وقتئذٍ. فلقد جاء في هذه الملاحظات السريعة حادث وقوف أحد أعداء العروبة و الإسلام من بني صهيون ليقول في هذه الندوة الطلابية الحامية: ” تذكروا أيها العرب أن القرح الذي اصابكم في نكسة حزيران هذا العام إنما تولد نتيجة كونكم تعيشون وراء التاريخ بما لا يقل عن قرن من الزمان…؟ “. و أذكر في حينه أن الأخوة العرب الأمجاد لم يتركوا هذا الكلام يمرّ على عواهنه دون مضاهاته مع مجريات سلوك الصهاينة التلمودي في فلسطين المحتلة و المعبرة جهاراً عن حقيقة أن: ” إنتصاراً عسكرياً على المستعمرين – المستضعفين لن يخلص روح بني صهيون من تخلفهم التلمودي الدموي المشهود لهم منذ ما لا يقل عن ألفي عام وراء التاريخ. فتخلف قرن من الزمان – إن وجد حقاً – لا يلغي حضارة عربية – إسلامية خالدة عبر الزمان، كما أن تقدم الرأسمالية الظلامية في السيطرة التلمودية الاستعمارية على أقدار البشرية المالية و التنموية اليوم لا يلغي، في غفلة الزمان، حقيقة ذبح ما لا يقل عن خمسة آلاف نبي بيد أبناء صهيون، فذلك هو طائر التوحش الدموي الملزم في عنق بني إسرائيل للأبد “. و ما كان لهذا الشاهد أن يتصدر هذا المقال لولا مقاربته في الحقيقة لثلاثة حقائق مثيرة تم الجهر بها مؤخراً في الإعلام الشمالي و هي: ( 1 ) نبأ اعتراف أحد كبار الرأسماليين التلموديين الأمريكان، و هو برنارد مادوف: Bernard Madoff “، بالتلاعب و الاختلاس الكبير لما لا يقل عن 170 بليون دولار على نحو فريد لا سابق له في تاريخ سوق المال الأمريكية ( Wall Street ) و ذلك في زحمة الانهيار المالي الذي يزحف على صدر الرأسمالية في عالم الشمال عموماً، و في الولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً ( أنظر التفاصيل مثلاً في صحيفة التايمز البريطانية، عدد 13 آذار 2009 )، و ( 2 ) تصريح الصحافي الأمريكي الكبير سيمور هيرش حول نيته كشف جرائم دموية قامت بارتكابها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ( CIA )، بشكل خارج عن القانون العام، و تحت غطاء مشروع سري عنوانه ( j505 ) أداره مباشرة ” ثنائي الشر”، أي ديك تشيني و جورج والكر بوش أثناء رئاستهم الفارطة للولايات المتحدة الأمريكية. و باختصار شديد، و في إطار وحدة العمليات الخاصة ( j505 ) هذه، ” قام أفرادها بالتوجه كالعادة مباشرة لأهدافهم في أي بلد من بلدان العالم، ودونما أي اتصال بالسفير الأمريكي أو حتى برئيس مكتب الـ”سي.آي.ايه” في البلد المعني، بتعقب من يريدون (أو من في قوائمهم)و تصفيتهم، أي التخلص منهم بالاغتيال، ثم المغادرة ” ( أنظر التفاصيل مثلاً في صحيفة الخليج الإماراتية، 13/03/2009 )، و ( 3 ) فضيحة توني بلير – رئيس الوزراء البريطاني السابق إياه – المنشورة في صحيفة ” المستقلة البريطانية المشهورة: The Independent “ يوم الجمعة 13 آذار 2009، المؤكدة لضلوع هذا التلمودي الدموي الرهيب، و صبي إمبراطورية الظلام البترولية “، بتلفيق ( sexed up ) ملف تبرير احتلال بلاد الرافدين و السيطرة على مصادرها البترولية الضخمة لصالح هذه الإمبراطورية “. كما أكدت هذه الصحيفة على ” أن بلير سبق له أن عرض ملف ” جريمة العصر ” هذا على نواب مجلس العموم في 24 سبتمبر/أيلول 2002 و ذلك قبل ستة شهور من بدء الحرب “. و بكشف هذه الحقائق الرهيبة، نجد أنفسنا متفقين تماماً مع الرئيس البرازيلي الحالي لويز لولا دي سيلفا الذي قال في مقال نشرته له صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية العتيدة ( The Financial times )، يوم التاسع من آذار الجاري، و حاور فيه ” طبيعة حال الرأسمالية “، ليؤكد فيه على أن زبانيتها دوماً ” هم في طغيانهم يعمهون “، بل غير مبالين البتة بمستقبل البشرية، و يخلص بنتيجة ذلك إلى القول بأنه قد آن لأحرار البشرية، في شمالي الأرض و جنوبيها، أن يقفوا عازمين بقوة وراء الشعار القائل: ” إن مستقبل البشر هو الذي يهم: The future of human beings is what matters “، فالرأسمالية – كما بين الزعيم البلشفي فلاديمير لينين من قبل – بأنها لا محالة آيلة حتماً ” للانحسار ” كونها تحمل بطبيعة الحال بذور دمارها ” Seeds of its own destruction ” ( أنظر بعض التفصيل مثلاً في مقال الدكتور مارتن ولف، المنشور يوم 8 آذار 2009 في صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية ). و مع اقتراب مؤتمر القمة العربي في الدوحة ( قطر )، لا بد من التذكير بأن هذه الشواهد الرأسمالية – الشمالية المعلنة اليوم، و الدالة وضوحاً على حقيقة الفشل العالمي الذريع في كبح جماح ذلك” التفجر الرهيب في الروح البهيمية: failure to control the animal spirits “، إنما هي الدليل القاطع على حلول غاشية الطغيان الوحشي الدموية التلمودية إياها، ليس على العرب و بترولهم فحسب، و إنما على كامل مقدرات بقاء / نماء الوجود الإنساني كله. ففي المنظور العاجل ” لمستقبل البشرية ” هذا، لن تكون ” محرقة غزة ” هي النهاية في الصراع العربي – الصهيوني، كما لن تمضي خطة ” تحطيم وجود عقيدتي الأوبيك و الأوابيك ” في شرعنة السيطرة الإمبراطورية على البترول العربي دون قيد أو شرط، بل ربما ستكون الخطوة اللاحقة ما بعد الدوحة – و العياذ بالله – هو إخفاء حق الإنسان العربي في الوجود. و عندها يبدو من العدل الوطني – العربي بمكان التذكير بقول الله جلت قدرته: ” يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و لتنظر نفس ما قدمت لغدٍ و اتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ” ( صدق الله العظيم ).

 

الدكتور عدنان مصطفى

وزير النفط و الثروة المعدنية الأسبق ( سورية )

رئيس الجمعية الفيزيائية العربية

[email protected]

15/3/2009 10:43:59 AM


طباعة المقال طباعة المقال

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه