عِنْدَمَا يَهِيْمُ أهْلُ البِتْرُولِ مَعَ أنْفُسِهِم !

بعد توالي هزائم قوى تحالف الشمال أمام ” قومات ” شعوب العالم المستضعفة، من أعلى الأرض إلى أدناها، قبيل أفول العقد الأول من القرن الحادي و العشرين الجاري، نفضت قيادة الإمبريالية الجديدة يدها من أداء أبرز عتاة تحالف الشمال لديها.

 و بنتيجة هذا الانكسار الكاسح في شوكة التسلط الرأسمالي على بقاء / نماء البشرية المستضعفة اليوم، تكسرت على جدران قلوب صناع الجشع الرأسمالي البغيض، و على نحو فريد لا ريب و لا رجعة فيه، ثمة ” صدمة مرتدة ” أخرجت حقاً ظاهرة ” الانحسار الاقتصادي “، الجارية اليوم، من كامن وجودها المقدر في باطن رحم الرأسمالية المظلم. نادى منادٍ: ” يا أيها الملأ: من أهل الحلِّ و الربطِ في المؤسسات المالية الأمريكية بادروا بمكافأة أنفسكم بالأرباح التي حصدتموها من بيادر المضاربات البترولية و العقارية و الحربية….الخ، المتكدسة لديكم قبل أن يقوم الحساب..”. فكان أن قفزت تلك ” القطط السمينة ” لتلتهم – و تشرب ” شرب الهيم ” – كلُّ ما هو متوفر ليها من غالٍ و نفيس، و لتختفي بعدئذٍ منشدة الراحة لنفسها في ملاذات أمينة – تم تصنيعها بمنتهى الدقة و السلامة من قبل العديد من أزلامها في النظام الجنوبي الحاكم – ما بين شرم الشيخ و تايوان. في حال أدرك ” فوت الردى ” أولئك المتخلفين منهم الذين راهنوا كثيراً على نجاح ” عصابة الخمسة: تشيني – رمسفيلد – بوش – رايس – بلير ” التلمودية – الشمالية الشهيرة في تحقيق ” المهمة البترولية المستحيلة إياها ” المناطة بهم، دون جدوى. على أي حال، من يتابع أنباء وقائع انهيار أنفس و أرواح الناس في مؤسسات المال و الأعمال و النفوذ الرأسمالية الدولية اليوم، لن تفوته البتة رؤية المشاهد التي لا تحصى، و المظهرة جهاراً تردي حال المراهنين على هذه ” المهمة البترولية الضائعة “. فلقد باتت البشرية جمعاء تراهم اليوم و هم يهيمون في كل وادٍ ” متشاجرين مع أنفسهم !؟ “، الأمر الذي أحرج الشماليين من علماء الطب العقلي و النفسي و الروحي و العقائدي – الإمبريالي، حين وضعهم في موقف العاجز عن أداء مهاراتهم التخصصية، حين حال هذا التردي الأخلاقي – التمدني دون متابعتهم مداواة جماعتهم على نحو مجدٍ تماماً. كما لن يصعب على المختص من المتابعين لهذا الإعياء الحضاري أيضاً، إدراك فعل تلك ” الصدمة العقائدية المرتدة ” الأخرى، أي تلك التي أطاحت اليوم بالكثير مما هو مسطر في معظم آداب الفكر البشري، المعتمدة أكاديميا اليوم، و المبين تفصيلها وضوحاً في أبرز مصادر الفكر و الإعلام الشمالي، و اخص منها ذلك المتاح للرأي العام العالمي و المنشور مؤخراً عبر وسائل إعلامية شمالية مرموقة مثل مجلات: ” الشؤون الخارجية الأمريكية: Foreign Affairs ” و ” التايم الأمريكية “، و ” النيوزويك الأمريكية، و ” النيوستايتمان البريطانية “، و الايكونوميست الدولية…الخ، و ضمن مواقع الكترونية عربية تقدمية مميزة:” كالفكر القومي العربي: www.alfikralarabi.org ، كلنا شركاء في الوطن: www.all4syria.org، و النفط السوري: www.syria-oil.com “ إضافة إلى المواقع الالكترونية الأخرى العائدة للمحطات التلفزيونية المحترمة و للصحف العربية المميزة و ذلك على سبيل المثال لا الحصر. ففي أحد مقالات الرأي المميزة بتوقعها الحال المبين أنفـاً،المنشورة في مجلة النيوستايتمان البريطانية يوم 25 أيلول 2008، و عنوانها: ” تحطم عام 2008 الكبير: The great crash of 2008 ” للمفكر البريطاني جايمز بيوكان ( مؤلف كتاب: الرغبة المكبوتة: في البحث عن معنى المال، 1997 )، نجده يبدأ قائلاً: ” لا ريب في أن مؤسسات المال الدولية باتت في قبضة الخوف، و صناع القرار عاجزون، كونهم يجهلون الواقع الذي تعمل المصارف في ظله…”، و عند تحريه أصول هذه الظاهرة لا نجده يختلف معنا كثيراً في تقويم الأخطار المنظورة هذه الظاهرة المتوحشة في إدارة ثروات البلاد و العباد، كونها باتت تجسد خضوعاً مطلقاً للتسلط الإمبريالي الجديد على مقدرات الشعوب الاستراتيجية و البترول منها بخاصة. و لا ريب في أن هذا الخضوع هو الذي أفقد ” شفافية المدنية النظرية ” طبيعتها فحجبت تلك ” القطط السمينة ” مصائر ثروات الأمم عن أنظار أصحابها الحقيقيين من جهة، كما غطت عيون الرأي العام الشمالي عن حقائق مشروعية دفاع أمم الجنوب عن ثرواتهم الطبيعية. و لولا تلك المقابلات و التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي الدكتور باراك أوباما، لما أدرك الكثير من أبناء الرأي العام الشمالي حقيقة حدوث تلك الهزائم الإمبراطورية الظلامية ما بين أفغانستان مروراً بالعراق و بلاد الشام على يد مقاومة الشعوب لطموحات الإمبريالية الأمريكية الدموية من جهة، و وقوع الفأس في رأس المؤسسات التنموية الشمالية ما بين طوكيو في اليابان، مروراً بدبي في الخليج العربي، و انتهاءاً بشركات السيارات الأمريكية و البريطانية من جهة أخرى. و في هذا الصدد يقول الدكتور بيوكان: ” إن كآبة منقلب هذه الأزمة لا تقع على كاهل الرجال المعتزين بأنفسهم مثل ديك فالد ( شركة ليهمان المفلسة الأولى ) أو على الدكتور غرينسبان ( رئيس البنك الاحتياطي الفيدرالي ) نفسه، بل على جهلنا جميعاً. و ثمة حقبة مالية تمر عشناها، لكننا لم نستوعبها حقاً. و كما قال هيغيل: ” تصل الفلسفة متأخرة جداً لتعلم العالم كيف يجب أن يكون عليه، حيث تبدأ ” بومة مينيرفا ( آلهة الحكمة عند الرومان ) رحلة التحاقها بالظلام “. فهل سيكتب لنا نحن العرب أيضاً رؤية حدوث ذلك لدينا في وقت قريب؟، أم أن ” بوم مينيرفا ” يودُّ البقاء بإرادتنا معششاً فوق رؤوسنا؟، و عندها لا بد لنا في هذا المقام من التذكير بقول الله عز وجل: ” أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحىً و هم يلعبون ؟”.

 

الدكتور عدنان مصطفى
وزير النفط و الثروة المعدنية الأسبق ( سورية )
رئيس الجمعية الفيزيائية العربية
profamustafa@myway.com
‏10‏/03‏/2009‏ 12:40:53 م


طباعة المقال طباعة المقال

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه