الابتِلاءُ الطَاقَيُّ العَالَمِيُّ: بِيْنُ المِيثُولُوجِيْ التَارِيخِيَةِ وَ العَرَبِيَةِ

تيسيراً لإدراك معنى ” إشكالية الطاقة العالمية ” الراهنة اليوم، نجد من المناسب القول بدايةًً أن ثمةَ ” ابتلاءٌ طاقيٌ ” قد ابتدأ مع ابتكار الانسان أول عملية ” إشعال للنار ” في الوجود البشري، و انتهى اليوم عند مشاهد نيران الحروب البترولية الإمبريالية التي سفكت بشكل خاص دماء الملايين العرب هنا و هناك.

و بذلك تكشفت، عبر التاريخ، تلك الملامح المبدئية ” لإشكالية الطاقة العالمية “، بهيئة صراع عنيف بين من يدرك و لا يدرك حقيقة: ” أن تحرك مركب بقائه و نمائه العزيز إنما يتطلب حتماً إمداداً طاقياً رخيصاً، وفيراً، متجدداً، مضموناً لا ريب فيه “. و في إطار هذا الوعي العالمي الطاقي الذاتي تطورت تكتيكات صراعُ ” بقاء الشعوب ” الطاقية التاريخية، و ترسخت وفقها مختلف أشكال أصول ” صراعات النفوذ ” الطاقية الإقليمية و الدولية بين من يملك و لا يملك المصادر الطاقية بمختلف أنماطها: التقليدي ( الفحم الحجري، البترول، الغاز الطبيعي،…) و الجديد و المتجدد ( كهرونووي، شمسي، …الخ ). و في كتابنا بعنوان: ” مباديء الطاقة “، الذي نشره لنا ” معهد الانماء العربي ” مشكوراً ببيروت عام 1980 مثلاً، عمدنا إلى استخدام الميثولوجي التاريخية ( أي اليونانية ) لإيضاح جوهر إشكالية الطاقة العالمية، حين ذَكَرْنَا بقصيدٍ أبدعه، شاعر الأسطورة اليونانية ( mythology ) ” هسويد ” تحدث فيه عن سَفَرِ البطل بروميثيوس للشمس ثم عودته منها بقبس ناري و أهداهُ للإنسان، الأمر الذي أغضب كبير آلهة الأسطورة الإغريقية ” زيوس “. ” و حيث أن أداةً إلهية خارقة كهذه يجب أن لا تسلم بها الآلهة للإنسان، قام زيوس بتكبيل بروميثيوس و ألقاه في جزيرة مهجورة ليلاقي حتفه. كما كلف زيوس أحد نسوره بمهمة التهام كبد بروميثيوس الخالد. لكن بروميثيوس تمكن من إنقاذ حياته عندما حرر الفتاة الأسطورية الجميلة ” آيو ” – حبيبة الإله زيوس الأرضية – من حصار زوجة زيوس لها، و أعادها لزيوس، الذي تزوجها و أنجب منها مباشرةً الإله ” هرقل “، فقام الأخير فوراً بمهمة إنقاذ بروميثيوس من الهلاك. و كما توقع زيوس، تمكن المجتمع الإنساني من الحفاظ على وجوده عبر امتلاكه ” طاقة النار “، و استطاع أيضاً أن يفيد من تلك الطاقة في تطوير ” نوعية حياته ” و أن يبني أنماط حضاراته المختلفة، علّّهُ يرقى إلى مستوى مجتمع آلهة الاوليمبوس الذي رسمته لنا الميثولوجي اليونانية..”. و في الزمن الراهن، حيث تتطور أحداث الصراع الاستراتيجي القائم بين الشمال و الجنوب حتى لتأخذ هيئات ميثولوجية جديدة، يحقُّ لنا تخيل حدوث ” أسطورة شمالية ” تحاكي تلك الميثولوجي التاريخية التي أسلفنا عرض الجزء الطاقي منها، حيث يأخذ الرئيس الأمريكي الدكتور باراك أوباما مكان بروميثيوس الإغريقي. و في عالم الواقع، أكدت محطة ( CNN ) التلفزيونية على إعلان المكتب الصحافي في البيت الأبيض الأمريكي عن نية الرئيس الأمريكي باراك أوباما زيارة المملكة العربية السعودية، و ذلك خلال جولة له في الشرق الأوسط وأوروبا تبدأ الأسبوع المقبل، وسيمضي ليلة كاملة في المملكة العربية السعودية، قبل أن يغادرها إلى مصر في اليوم التالي ليخاطب العرب و المسلمين من هناك.

 

و ثمة تساؤل وطني – عربي – إسلامي لا بد من التعبير عنه بخوص إختيار الدكتور أوباما مصر لإجراء هذه المخاطبة المثيرة؟، فهو كرئيس لأكبر دولة في التاريخ المعاصر، أي الولايات المتحدة الأمريكية، قادر على أن يخاطب العالم أجمع من قلب المكتب البيضاوي في البيت الرئاسي الأمريكي الأبيض دون كبير عناء. و في هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى استطلاع أجرته ( CNN ) بالعربية، لآراء عدد ما من المثقفين والكتاب العرب، ظهر فيه ما يشبه إجماع في توقع حدوث زيارة القاهرة و ذلك برغم حدوث التراجع الكبير لدور مصر في الساحة السياسية العربية، خصوصاً بعد التحالف المشين لحكامها الحاليين مع العدو الصهيوني في صنع ” محرقة غزة هاشم “. و لا ريب في أن هذا الإجماع قد استند إلى حقيقة كون النظام المصري الحاكم، و ليس الشعب العربي في مصر، بات ينعم اليوم بوئام (!؟) واضح مع العديد من الأنظمة العربية الحاكمة ” المعتدلة ” في الصراع العربي – الإسرائيلي، مظهراً تمسكه الشديد باتفاقية كامب – دايفيد مع إسرائيل، مما جعل الرئيس الأمريكي باراك أوباما يختارالقاهرة ليطلق منها ” شرارة ” تحرك إدارته باتجاه مميز جديدٍ ما نحو العالمين العربي و الإسلامي كما جاء في خطاب تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية (!!). و لا مناص لكل عاقل يعيش تحت شمس كوكب الأرض اليوم من أن يتساءل معنا: ” هل يريد الدكتور أوباما قطع خطوة فريدة أولى ما في ” ميثولوجيا ” خلاص البشرية من عتو الإمبريالية الجديدة؟، حيث يأتي – من خلال زيارته لمكة المكرمة مثلاً – بقبس ” من شمس شموس حقِّ كلٍّ من: هدي كلمة الله عيسى ( عليه السلام ) و محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء و المرسلين ( صلى الله عليه و سلم )، ليقوم بتقديمه من قلب ” جامعة القاهرة ” الكبير لكل أمم الجنوب المستضعفة. فينير بذلك مثلاً، سبل ” إعتماد متبادل ” براغماتية عصرية شريفة، تصلُ بين عوالم الشمال – التي يقودها اليوم – و بين العالمين العربي و الإسلامي، إضافة إلى جلاء منظوره لإخراج الشعب العربي عموماً، و الفلسطيني منه خصوصاً، من الضيم الذي بات يغشاهما منذ عام 1948 و حتى اليوم، أم سيكتفي بمواساتنا – نحن العرب المستضعفين في الأرض – بالانضمام إلينا مردداً ” بلسانه ” تساؤلنا الكبير القائل: ” هل إلى خروجٍ من سبيل؟ “. و في المقابل الشمالي، يبدو باعتقادنا الواقعي أن عودة ” بروميثيوس – أوباما ” الأسطورية هذه من ” شمس الحقيقة العربية الساطعة، لن تكون البتة رضيةً لدى ” زيوس ” الإمبريالية الجديدة، ذلك أنه لو لم يعد ” راقصاً ” بالسيف البترولي كما فعل سلفه التلمودي – الدموي جورج والكر بوش، فسيلقى – و العياذ بالله – نفس حوارات بقاء / فناء سبق و دارت دموية – عنيفة من قبل حول نفوذ الرئيس الراحل جون ف. كينيدى أو حول سلوك ” شهيد الحرية الإنسانية الخالد ” الحاج مالك الشاه باز ( مالكولم إكس ) و ذلك عقب عودة الأخير من أداء واجب الحج عام 1964، و لكل مقام مقال.

 

الدكتور عدنان مصطفى

وزير النفط و الثروة المعدنية الأسبق ( سورية )

رئيس الجمعية الفيزيائية العربية

profamustafa@myway.com

قد يعجبك ايضا

التعليقات متوقفه